عبد العزيز الدريني
87
طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب
لا أذوق بارد الشراب حتى أعلم أين مكاني منك ؟ فسألاه أبواه أن يفطر على قرص شعير كان معهما ويشرب الماء ويرجع معهما ففعل ذلك وكفّر عن يمينه ، فلذلك مدحه اللّه تعالى بالبر فقال : ( وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ) فرجع إلى بيت المقدس فكان إذا قام يصلى يبكى حتى يبكى معه الشجر والمدر ، ويبكى زكريا لبكائه ، فما زال يبكى حتى طرق الدمع في خديه طريقين فقال له أبوه : يا بنىّ سألت ربى أن يهبك لي لتقر عبنى بك فما هذا البكاء ؟ قال : يا أبت إن جبريل أخبرني أن بين الجنة والنار مفازة لا يقطعها إلا كل بكاء ، فقال زكريا فابك يا يحيى . وروى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان كثير البكاء ، فأتاه جبريل وقال له : الجبار يقرئك السلام ويقول : هل رأيت خليلا يخاف خليله ؟ فقال يا جبريل إذا ذكرت خطيئتي نسيت خلتي ، هذا خوف المرسلين مع عصمتهم من المخالفات وطهارتهم عن الزلات ، وإنما كانت خطاياهم نظرة إلى مباح أو لفظة في ظاهرها مكروه وفي باطنها صلاح . إبراهيم عليه الصلاة والسلام كسر الأصنام وقال : ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ) يعنى على زعمكم ليخصم قومه ويظهر الحجة عليهم في عبادة من لا يقدر على شئ ، وقال أيضا : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) أي مآلى إلى السقم حتى لا يخرج معهم في لهوهم ، وقال في زوجته سارة هذه أختي ، يعنى في الإسلام ليخلصها من يد ظالم ، وليس في شئ من هذا إثم فلا وزر . وداود عليه الصلاة والسلام نظر إلى امرأة جاره أول مرة ثم غض بصره ولا إثم في ذلك ، ثم اشتهى أن تكون زوجته في الحلال ، فخرج زوجها في الغزو فقتل من غير أن يتسبب داود في قتله بشئ ، هذا أعظم ما ورد في قصته وما زاد على هذا فهو باطل . وقيل إنه سأله أن يطلقها قاله ابن عباس وابن مسعود ، وقيل إنما كان خاطبا وسأله أن ينزل عن خطبتها وليس في شئ من هذا إثم ، وإنما كانوا أعلم باللّه وأشد خشية وتعظيما ، فصارت هذه الأشياء عندهم عظائم لشدة إجلالهم للّه تعالى وتعظيمهم لهيبته وجلاله . فلا يغتر الجاهل المسكين بما يسمع من ذكر معاصي هؤلاء بل ينبغي أن يشتد خوفه ووجله وإشفاقه من ذنوبه وينظر شدة خوفهم مع رفيع مقامهم وخفة هفواتهم ، فكيف يطمئن قلب من لا يعلم عاقبة أمره ،